Sunday, July 29, 2012

الإعلام والسهام الموجهة إليه

الإعلام والسهام الموجهة إليه
بقلم: أمينة شفيق
منذ عدد من السنوات‏,‏ دعاني الإعلامي عبد اللطيف المناوي للقاء تليفزيوني علي القناة الأولي للحديث عما كان يجري وقتها من سجال بين عدد من الصحفيين‏.‏ وكان اللقاء مع الزميل العزيز الأستاذ صلاح منتصر‏.‏ يومها أثار الإعلامي الأستاذ عبداللطيف دور نقابة الصحفيين.

  فيما يمكن أن أطلق عليه الآن تقويم الأداء الصحفي. يومها فتح النقاش حول موقف الدولة من الصحف المعارضة وضرورة أن تعترف بها الدولة وتقدم لها ما تقدمه للصحافة القومية من تسهيلات, وأن تحترم صحفيي هذه الصحف قدر احترامها لصحفيي الصحف القومية.
يومها علقت علي علاقة الصحافة والإعلام والنقابة بالدولة, أي دولة, برواية نقلت عن السيدة أنديرا غاندي.. أثناء رئاستها للوزارة الهندية في ثمانينيات القرن الماضي. والذي نقل إلي هذه القصة, لأنه كان طرفا فيها, هو السيد فرانسيس بلانشار, مدير مكتب العمل الدولي حينذاك في أثناء زيارة له في القاهرة. سأل الخبير الدولي السيدة أنديرا ما أكثر ما يسبب لك مشاكل في أثناء عملك كرئيسة وزارة؟ أجابته رئيسة الوزراء بسرعة الميديا والنقابات. والميديا تعني وسائل الإعلام باللغة الإنجليزية. لحظتها ضحك الأستاذان صلاح منتصر وعبد اللطيف المناوي علي شاشة القناة الأولي الحكومية الرسمية. ثم علق عبد اللطيف قائلا فما بالنا بنقابة الصحفيين الذين هم جزء مهم من الميديا. بمعني أنه إذا كانت الميديا من ناحية تسبب قلقا, وكانت النقابات تسبب قلقا من الناحية الثانية, فما بالنا إذا تجمعت الميديا والنقابة في مؤسسة واحدة هي نقابة الصحفيين!
تستمر علاقة الإعلام بالدولة, أي دولة, علاقة تتسم بالشد والجذب. سواء كان هذا الإعلام حكوميا أو خاصا أو حزبيا. فالدولة, أي دولة, تريد أن تعرض إنجازاتها علي الشعب الحكومة حققت كذا وكذا أو أن يظهر مسئول يسرد بشكل آلي إنجازات الوزارة التي يترأسها ذاكرا الرقم تلو الرقم. في حين تعلم الإعلاميون العكس. تعلموا أن ينقدوا ويعلقوا علي كل شيء في كل أعمالهم بدءا من الكاريكاتير إلي المقال والتحقيق.
أتذكر أن في العقد الستيني. وبعد أن صدر قانون تنظيم الصحافة التي باتت تحت سلطة الدولة, أن في أحد الاجتماعات التحريرية في صحيفة يومية بدأ الحاضرون يخططون لمرحلة لاحقة من العمل الصحفي, استمر رئيس التحرير يستمع لاقتراحات الصحفيين, ثم علق قائلا: إيه الحكاية, هو أنا رئيس تحرير جريدة معارضة للنظام ولا إيه, هي الحكومة دي ما عملتش حاجة كويسه أبدا؟. أجابه أحد الصحفيين عملت, بس فيه أعمال كثيرة أخري مطلوبة.
هكذا تستمر دائما العلاقة. فالدولة تريد إبراز إنجازاتها. والصحافة تريد أن تعكس الصورة الكلية للمجتمع بكل ما تقدمه الدولة وما لم تقدمه بعد وما أكثر هذا الأخير الذي لم تقدمه. ولذلك يستمر الصدام الذي هو ليس ابن اليوم وإنما ابن كل زمان. وحتي في الأيام المسماة بأيام الليبرالية كان للملك فاروق عيونه داخل الصحافة الحرة التي كانت مملوكة ملكية فردية. كما امتدت عيونه إلي داخل مجلس نقابة الصحفيين. كان أشد ما يقلق مزاجه الملكي هو وجود الدكتور طه حسين عضوا في مجلس نقابة الصحفيين. فما كان من الصحفيين إلا أن ينتخبوه عضوا في مجلس إدارة نقابتهم, ثم يتعمدون عكننة مزاج جلالته عندما ينتخبه مجلس النقابة وكيلا للمجلس.
وفي26 يوليو عام1952 خلع الملك فاروق وغادر مصر ولكن استمر د. طه حسين مثقفا مصريا شامخا وعميدا للأدب العربي.
كما أننا لا يمكن أن ننكر أن فترة الستينيات شهدت اضطهادا لعديد من الصحفيين. وكان ذلك خطأ جسيما ترتكبه الدولة الناصرية. حدث ذلك عندما نقلت الدولة عددا من الصحفيين لأعمال إدارية. وكان من بينهم علي سبيل المثال الراحل الشاعر عبد الرحمن الخميسي الذي إنهال هذا الأخير تنكيتا علي النظام ودولته, أضحك كل مصر. وفي النهاية لم تستطع الدولة الناصرية بكل جماهيريتها الجارفة وانجازاتها الاقتصادية الاجتماعية إلا أن تخضع للحق وللحقيقة وهي أن تعترف أن للصحفيين حقوقهم التي لا يمكن المساس بها, في حرية التنظيم والرأي وفي الكتابة.
أما في الفترة الساداتية, فقد كانت العلاقة بين الرئيس السادات وبين الصحافة علاقة كلها تربص من جانبه نحو الصحفيين ونحو نقابتهم. كان السبب بسيطا للغاية, كان السادات يريد إقامة جمهوريته ذات الاقتصاد الحر المفتوحة للاستثمار الخاص والمصفية للقطاع العام ثم دولته المتصالحة مع إسرائيل. فبدأ يلتقط الصحفيين المعارضين له. في المرة الأولي كانت عام1973 عندما عزلهم من الاتحاد الاشتراكي العربي وأحالهم إلي المعاش. والثانية, عندما نقلهم إلي وظائف غير صحفية عام.1981 أعادهم السادات في المرة الأولي عندما أحس بالمعارضة الشديدة الداخلية وكذلك الخارجية. خاصة عندما قرر المفكر الفرنسي جون بول سارتر إنشاء صندوق في باريس لتمويل رواتب الصحفيين المصريين المفصولين من وظائفهم. أما في الحالة الثانية فقد عاد الصحفيون بعد اغتيال السادات عام.1981 الخلاصة أن السادات استمر طوال فترة حكمه يتربص بالصحفيين ونقابتهم حتي إنه أراد أن يحول نقابة الصحفيين إلي ناد. كما استمر يصادر صحفا معارضة ويتحفظ علي صحفيين وخاصة في الأحداث الكبري كحالة الشغب عام1975 وهبة الخبز عام.1977 ولكن أشد ما أزعجه من مواقف كان موقفهم الذي اتخذه مجلس نقابتهم ثم جمعيتهم العمومية بعدم التطبيع مع أي مؤسسة أو منظمة إسرائيلية.
حتي بعد وصول مبارك إلي سدة الحكم, لم يسلم الصحفيون من قرارات التحفظ كما لم تسلم الصحف المعارضة من الإغلاق القانوني ولم تسلم النقابة من هجمة شرسة وتحديدا عام1996 عندما أصدر مجلس الشعب قانونا يغلظ العقوبات في قضايا النشر. يومها اتجه مجلس النقابة برئاسة النقيب ومعه عدد من الكتاب وأعضاء مجالس سابقين إلي الاجتماع مع رئيس الدولة الذي ما كاد ينطق كلمة الفساد حتي تصدي له المجلس طالبا فتح كل ملفات الفساد وعدم إخفاء أي حقيقة. ولكنه في حقيقة الأمر لم يتربص بالصحفيين كجماعة مهنية ولا بالنقابة كما كان يفعل السادات في كل صباح ومساء. ربما لم يقع هذا التربص اليومي لأن العالم كان يتغير وكانت مصر هي الأخري تتغير وربما لأنه تجنب ما أطلق عليه أحد مستشاريه عبارة لعنة نقابة الصحفيين تشخيصا لتلك الحالة النقابية التي استمرت تتثبت تقاليدها في هذه النقابة وهي أنها نقابة الجميع الذين يختلفون داخل نقابتهم ولكنهم يتوحدون في حالة مواجهة أي خطر سلطوي.
ومن الواضح الآن أن معركة جديدة تفتح بين الصحفيين وبين السلطة الجديدة حول إحداث تغييرات تضمن سيطرة هذه السلطة علي المؤسسات الصحفية القومية, وبالتالي علي قطاع كبير من الصحفيين. وهي معركة قد تأخذ جهدا من الجميع ولكن, وبناء علي التجارب السابقة, سيخرج منها الصحفيون مع نقابتهم أكثر قوة لأن العالم تغير كثيرا ومصر تغيرت أكثر مما كانت عليه في فترة مبارك وقبله السادات وقبلهما عبد الناصر

No comments:

Post a Comment