Saturday, November 24, 2012

«الإخوان» وتركيع الإعلام

11/18/2012 2:41:00 AM      بقلم - ياسر عبد العزيز
منذ وصلت جماعة «الإخوان المسلمون» إلى سدة السلطة، لم يمر يوم واحد دون أن نسمع عن هجمة شرسة منها على الوسط الصحفى والإعلامى، أو محاولة لفرض سيطرتها الكاملة عليه.
  عتقد «الجماعة» أن الإعلام وسط معاد لها، وأنه مجال لاستهدافها، بل يرى بعض أقطابها أنه «مخترق»، و«لا يتحلى بالمسؤولية والوطنية اللازمة» لممارسة عمل من هذا النوع.

  تتجلى رؤية «الجماعة» للوسط الإعلامى المصرى فى عبارة فضيلة المرشد الدكتور بديع الشهيرة، التى وصف فيها بعض الإعلاميين بأنهم «سحرة فرعون»، وأن «الشيطان يوسوس لهم»، وتتضح سياستها فى لغة التهديد التى وجهها الرئيس مرسى إلى «من أنشأ فضائيات لتشويه الحقائق»، حسبما ذكر فى زيارته الأخيرة إلى أسيوط.
  لذلك، لم يكن غريباً أبداً أن تتوالى اتهامات أقطاب «الجماعة» لبعض وسائل الإعلام والإعلاميين، وأن يرفع الكثير من قادتها قضايا، ويقدموا بلاغات فى حق صحفيين وإعلاميين، بل إن رئاسة الجمهورية نفسها فعلت ذلك.
  كما لم يكن غريباً أيضاً أن تنشط «اللجان الإلكترونية» فى تشويه معارضى «الجماعة»، عبر قصفهم «إلكترونياً» واغتيالهم معنوياً، فى الوقت نفسه الذى حاول فيه «الأنصار المخلصون» إرهاب الإعلاميين بالاعتداء على بعضهم، كإحدى حلقات «الإرهاب المادى» فى مسلسل المواجهة مع الوسط الإعلامى.
  لم تكتف «الجماعة» بالاتهامات والقضايا، لكنها أيضاً سعت إلى فرض سيطرتها على المجال الإعلامى بشكل يمكّنها من تطويعه، لكى تضمن أن يكون هذا المجال مؤيداً لها، ومبتعداً كل البعد عن أى نقد أو ذم لسياساتها، وسياسة حكومتها، والسلطة التشريعية والجمعية التأسيسية اللتين تهيمن عليهما.

لا يمكن لمنصف أن يتجاهل الحجم الكبير والمقلق والخطير للأخطاء التى يرتكبها بعض الإعلاميين ووسائل الإعلام، كما لا يمكن لمحايد أن يتغافل عن وجود «اختراق» فعلاً فى عدد من تلك الوسائل بشكل يؤطر ممارساتها لتخدم «أجندات» مثيرة للجدل، لكن لا يمكن لعاقل أن يعتقد أن حل مثل تلك الإشكالات يأتى عبر القمع والتهديد والإغلاق.

تحاول «الجماعة» إذن إخماد أى صوت معارض أو ناقد فى الوسط الإعلامى المصرى، متكئة على مسلسل من الإساءات والتجاوزات المهنية الصارخة، ومستندة إلى امتلاكها السلطتين التنفيذية والتشريعية، ومفضلة تركيع الإعلام بدلاً من استخدام ما تمتلكه من سلطات فى تقويمه وإصلاحه.

وبموازاة هذا السلوك الهجومى الشرس فى حق وسائل الإعلام الخاصة، تمضى خطة «الجماعة» بنجاح فى مجال بسط هيمنتها على وسائل الإعلام المملوكة للدولة، وتكريس تبعيتها للنظام الحاكم، أياً كانت طبيعة هذا النظام.

فقد تم تعيين وزير إعلام ينتمى لـ«الجماعة»، ليقوم بالسيطرة على وسائل الإعلام المسموعة والمرئية المملوكة للدولة، والتحكم فى ممتلكات الدولة فى بعض الأطر والمصالح الإعلامية مثل شركة «النايل سات»، وبالتالى استخدام تلك الترسانة كلها فى معارك «الجماعة»، وتحقيق أغراضها.

ولهذا، لم يكن مستغرباً أبداً أن يحيل الوزير إعلاميين إلى التحقيق، لأنهم سمحوا بانتقاد الرئيس، بعدما اعتبر أن «الانتقاد بمنزلة إهانة»، كما لم يكن مستغرباً أيضاً أن تمنع بعض القيادات فى التليفزيون العام بث أجزاء من برامج مسجلة لأنها تنتقد «الإخوان».

ولتكتمل حلقة السيطرة، فإن «مجلس الشورى» الخاضع للهيمنة «الإخوانية» أيضاً يصر على ممارسة ما يقول إنه «صلاحيات قانونية»، موروثة من عهد مبارك، ليعين قيادات المؤسسات الصحفية «القومية»، ثم ليعزل أحد هؤلاء المعينين بداعى أنه «ارتكب خطأ مهنياً»، أو لأنه «حقق خسائر مالية»، فى أسابيع قليلة تولى فيها المسؤولية.

تبدو الخطة واضحة، ويمكن صياغتها فى عبارات قليلة على النحو التالى: استغلال هشاشة النظام الإعلامى، وأخطاء بعض الإعلاميين الصارخة، فى شحن المجال العام ضد الإعلام والإعلاميين، والسيطرة على وسائل الإعلام المملوكة للدولة، عبر تعيين القيادات، وتمويل العجز، واستخدام السلطة التنفيذية، والإرهاب المادى والمعنوى، لتركيع الإعلام الخاص.

قبل أيام أقدمت «الجماعة»، من خلال الحكومة، على خطوة مفجعة؛ إذ استخدمت صلاحيات إدارية وقانونية متهافتة، لإجبار قناة «دريم» على التوقف عن البث من استديوهاتها الأصلية.

قناة «دريم» هى قناة رائدة فى مصر، لكونها أول قناة فضائية خاصة، ورغم وجود مآخذ على بعض أنماط أدائها أو انتقادات لنمط ملكيتها، فإنها رغم ذلك يمكن أن توصف بـ«منصة للإعلام الخاص الجاد والرصين». لعبت القناة أيضاً دوراً إيجابياً فى طرح قضايا تتصل بالحريات والديمقراطية قبل الثورة، وساهمت فى بلورة الشعور الغاضب حيال النظام السابق، وكانت إحدى المنصات التى استضافت قياديين فى «الإخوان»، وقت أن كانت تلك الاستضافة فى حد ذاتها نوعاً من المغامرة.

الإجراءات التى اتخذتها حكومة «الإخوان» ضد «دريم» سلسلة من حلقات سياسة «الجماعة» لتركيع الإعلام فى مصر، وهى سياسة ستنجح فى البداية، وستحقق إنجازات، لكنها ستجر على أصحابها فى النهاية الكثير من الخيبات.. هكذا يقول التاريخ

No comments:

Post a Comment